الشيخ محمد السبزواري النجفي

8

الجديد في تفسير القرآن المجيد

في آية : وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ، وإما لجهة أن السماء أشرف من الأرض بعددها ، وبطبقاتها ، ولأن فوقها العرش وما حوله ، واللوح والقلم ، ودونها الشمس والقمر والكواكب وسائر المجرّات ، وفيها الملائكة المقرّبون ، ومنها تنزل الرحمة الإلهية بأنواعها ، وتهطل الأمطار في أوقاتها ، وتجري الفيوضات الربّانية والخيرات التي لا تحصى . فاقتضت هذه المذكورات وغيرها جمع لفظ : السماء من جهة ، وتقديم ذكرها على الأرض من جهة ثانية . فالحمد لهذا الرب القادر الذي اخترع ذلك كلّه على غير مثال سبقه وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ أي صيّرهما موجودين . والفرق بين الخلق والجعل أن الأول اختراع وإيجاد لا من شيء كان قبله بل بكلمة : كن ، والثاني هو التصيير : أي إيجاد الشيء من شيء بحسب المشهور بين أعلام الكلام ، وقد يكون الحق خلاف ذلك أعني أن الخلق يجيء أيضا بمعنى التصيير نحو قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ، أو : من منيّ يمنى ، أو : من ذكر وأنثى . ففي جميع ذلك تدل لفظة : من ، على إنشاء شيء من شيء ، لا على إيجاد ذلك الشيء فقط بكلمة : كن التكوينية ، حتى أن آدم أبا البشر ( ع ) قد « خلقه » اللّه تعالى ، من ماء وطين ، أي صيّره كائنا من ذلك . فالخلق أعمّ على كل حال . وقد جمع جلّ شأنه الظلمات دون النور لأن الأجرام الفضائية تكاد لا تعدّ ولا تحصى لكثرتها ، ولكلّ جرم منها ظلّ ، فأشار سبحانه إلى جميع تلك الظلال « الظلمات » الكثيرة للأسباب التي ذكرناها ، بخلاف النور الذي له سبب واحد وهو عدم وجود الظّل ، لأنهما ضدّان لا ثالث لهما ، ويكون أحدهما إذا انعدم الثاني بتقدير العزيز الحكيم ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي بعد هذه القدرة الكاملة من خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، بقيت طائفة من الناس كفروا بخالق ذلك كله وعدلوا : أي مالوا عن المحجة البيضاء وابتعدوا غاية البعد عن الحق مع أن الحجة في غاية القوة والظهور ، وعدولهم عن جادة الصواب غير عقلائية لأن كل آية من هذه الآيات تكفي وحدها للإيمان به سبحانه ،